الغزالي
226
إحياء علوم الدين
قربة بالنية ، ولكن لا يتيسر ذلك إلا للبطالين الذين لو لم يشتغلوا بصرف الأوقات فيه لاشتغلوا بنوم أو حديث فيما لا يعنى ، فيصير شغلهم به أولى ، لأن الاشتغال بالطهارات يجدد ذكر الله تعالى وذكر العبادات ، فلا بأس به إذا لم يخرج إلى منكر أو إسراف وأما أهل العلم والعمل فلا ينبغي أن يصرفوا من أوقاتهم إليه إلا قدر الحاجة ، فالزيادة عليه منكر في حقهم ، وتضييع العمر الذي هو أنفس الجواهر وأعزها في حق من قدر على الانتفاع به . ولا يتعجب من ذلك فان حسنات الأبرار سيئات المقربين . ولا ينبغي للبطال أن يترك النظافة وينكر على المتصوفة ويزعم أنه يتشبه بالصحابة ، إذ التشبه بهم في أن لا يتفرغ إلا لما هو أهم منه ، كما قيل لداود الطائي : لم لا تسرح لحيتك ؟ قال : إني إذا لفارغ . فلهذا لا أرى للعالم ولا للمتعلم ولا للعامل أن يضيع وقته في غسل الثياب احترازا من أن يلبس الثياب المقصورة ، وتوهما بالقصار تقصيرا في الغسل ، فقد كانوا في العصر الأول يصلون في الفراء المدبوغة ، ولم يعلم مهم من فرق بين المقصورة والمدبوغة في الطهارة والنجاسة ، بل كانوا يجتنبون النجاسة إذا شاهدوها ، ولا يدققون نظرهم في استنباط الاحتمالات الدقيقة ، بل كانوا يتأملون في دقائق الرياء والظلم ، حتى قال سفيان الثوري لرفيق له كان يمشى معه فنظر إلى باب دار مرفوع معمور : لا تفعل ذلك فان الناس لو لم ينظروا إليه لكان صاحبه لا يتعاطى هذا الإسراف . فالناظر إليه معين له على الإسراف ، فكانوا يعدون جمام الذهن لاستنباط مثل هذه الدقائق لا في احتمالات النجاسة ، فلو وجد العالم عاميا يتعاطى له غسل الثياب محتاطا فهو أفضل ، فإنه بالإضافة إلى التساهل خير ، وذلك العامي ينتفع بتعاطيه ، إذ يشغل نفسه الأمارة بالسوء بعمل المباح في نفسه ، فيمتنع عليه المعاصي في تلك الحال . والنفس إن لم تشغل بشيء شغلت صاحبها وإذا قصد به التقرب إلى العالم صار ذلك عنده من أفضل القربات ، فوقت العالم أشرف من أن يصرفه إلى مثله فيبقى محفوظا عليه ، وأشرف وقت العامي أن يشتغل بمثله ، فيتوفر الخير عليه من الجوانب كلها وليتفطن بهذا المثل لنظائره من الأعمال ، وترتيب فضائلها ، ووجه